أبي طالب المكي

18

قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد

عنهم المعطي المانع ، فقبح هذا أيضا عند الموقنين كقبح ذاك ، لأن الله تعالى نفى الرزق عن سواه كما نفى الخلق . فقال تعالى : * ( هَلْ من خالِقٍ غَيْرُ الله يَرْزُقُكُمْ ) * [ فاطر : 3 ] ، ولم يرد اللفظ على اللفظ وإن حسن فيقول : يخلقكم لأنه أراد سبحانه أن يفيدنا فضل بيان ويعلمنا اقتران الرزق بالخلقة ، وأنهما مسببان عن القدرة ، فالمتوكَّل قد أيقن أنه لم يكن على الله أن يخلقه ، فلما خلقه كان عليه أن يرزقه . وهكذا روي عن الله تعالى : أأخلق خلقا ولا أرزقه ؟ وقال النبي صلى الله عليه وسلم : لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد ، ردّا عليهم حين قالوا : جدي في كذا وجدي في كذا ، يعنون صنوف الأسباب . فنفى ذلك بقوله هذا في صلاته وأسمعهم إياه خشية دخول الشرك عليهم ، أي جد العبد لا ينفعه منك شيئا فهذا كما قال الله تعالى : * ( إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي من الْحَقِّ شَيْئاً ) * [ النجم : 28 ] . قال بعض العلماء في معنى ذلك : من جدّ في الطلب وحرص وجد منك المنع لم ينفعه جده في طلبه وحرصه شيئا . وقال أيضا في معنى قول الله عزّ وجلّ : * ( يَمْحُوا الله ما يَشاءُ ويُثْبِتُ ) * [ الرعد : 39 ] ، قال : يمحو الأسباب من قلوب العارفين ويثبت القدرة ويمحو المشاهدة من قلوب الغافلين ويثبت الأسباب في صدورهم . وقال هذا أيضا : خلق الله النفس متحركة ثم أمرها بالسكون ، وهذا هو الابتلاء . فإن تداركها بالعصمة سكنت وهذا خصوص ، وإن تركها تحرّكت بطبعها وجبلتها وهذا هو الخذلان . وفي وصية لقمان لابنه : يا بني أردد رغبتك إلى الله إن شاء أعطاك وإن شاء منعك ، فإن حيلتك لن تزيدك ولن تنقصك من قسمة الله التي قسم لك ، واعتبر رزقك بخلقك ، فإن استطعت أن تزيد في خلقك بحيلتك فإنك إذا تزيد في رزقك ، وإلا فاعلم أن الله هو الذي عدل الخلق وقسم الرزق ، فلن تستطيع أن تزيد في أحد منها . فإن منهم المحتال الجلد البطوش ولا يزداد إلا فقرا ، ومنهم المعيي الواهن المهين ولا يزداد ماله إلا كثرة ، ولو كان من الحيلة لسبق القوي الضعيف إلى كل شيء ، ولكن الله يخلق ويرزق ولا يملك العباد من ذلك شيئا ، وهكذا حكى أن بعض الأكاسرة سأل حكيما في زمانه فقال : ما بالي أرى العاقل محروما والأحمق مرزوقا ؟ فقال : أراد الصانع أن يدل على نفسه ، ولو كان كل عاقل مرزوقا ، وكل أحمق محروما ، لوقع في العقول . إن العاقل يرزق نفسه والأحمق حرم نفسه فلما رأوا الأمر بخلاف هذا علموا أن الصانع هو الرازق . وروينا عن ابن مسعود في إعطاء هذا المال فتنة ، وفي منعه فتنة ، إن أعطيه عبد مدح غير الذي أعطاه ، وإن منعه عبد ذم غير الذي منعه . وقد روينا معناه في حديث مطرف عن